سيد قطب
3823
في ظلال القرآن
وإلا فإن الحقيقة التي استهدف هذا التوجيه تقريرها هنا والآثار الواقعية التي ترتبت بالفعل على تقريرها في حياة الأمة المسلمة ، هي الإسلام في صميمه . وهي الحقيقة التي أراد الإسلام - وكل رسالة سماوية قبله - غرسها في الأرض . هذه الحقيقة ليست هي مجرد : كيف يعامل فرد من الناس ؟ أو كيف يعامل صنف من الناس ؟ كما هو المعنى القريب للحادث وللتعقيب . إنما هي أبعد من هذا جدا ، وأعظم من هذا جدا . إنها : كيف يزن الناس كل أمور الحياة ؟ ومن أين يستمدون القيم التي يزنون بها ويقدرون ؟ والحقيقة التي استهدف هذا التوجيه إقرارها هي : أن يستمد الناس في الأرض قيمهم وموازينهم من اعتبارات سماوية إلهية بحتة ، آتية لهم من السماء ، غير مقيدة بملابسات أرضهم ، ولا بمواضعات حياتهم ، ولا نابعة من تصوراتهم المقيدة بهذه المواضعات وتلك الملابسات . وهو أمر عظيم جدا ، كما أنه أمر عسير جدا . عسير أن يعيش الناس في الأرض بقيم وموازين آتية من السماء . مطلقة من اعتبارات الأرض . متحررة من ضغط هذه الاعتبارات . ندرك عظمة هذا الأمر وعسره حين ندرك ضخامة الواقع البشري ، وثقله على المشاعر ، وضغطه على النفوس ، وصعوبة التخلي عن الملابسات والضغوط الناشئة من الحياة الواقعية للناس ، المنبثقة من أحوال معاشهم ، وارتباطات حياتهم ، وموروثات بيئتهم ، ورواسب تاريخهم ، وسائر الظروف الأخرى التي تشدهم إلى الأرض شدا ، وتزيد من ضغط موازينها وقيمها وتصوراتها على النفوس . كذلك ندرك عظمة هذا الأمر وعسره حين ندرك أن نفس محمد بن عبد اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قد احتاجت - كي تبلغه - إلى هذا التوجيه من ربه ؛ بل إلى هذا العتاب الشديد ، الذي يبلغ حد التعجيب من تصرفه ! وإنه ليكفي لتصوير عظمة أي أمر في هذا الوجود أن يقال فيه : إن نفس محمد بن عبد اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قد احتاجت - كي تبلغه - إلى تنبيه وتوجيه ! نعم يكفي هذا . فإن عظمة هذه النفس وسموها ورفعتها ، تجعل الأمر الذي يحتاج منها - كي تبلغه - إلى تنبيه وتوجيه أمرا أكبر من العظمة ، وأرفع من الرفعة ! وهذه هي حقيقة هذا الأمر ، الذي استهدف التوجيه الإلهي إقراره في الأرض ، بمناسبة هذا الحادث المفرد . . أن يستمد الناس قيمهم وموازينهم من السماء ، طلقاء من قيم الأرض وموازينها المنبثقة من واقعهم كله . . وهذا هو الأمر العظيم . . إن الميزان الذي أنزله اللّه للناس مع الرسل ، ليقوّموا به القيم كلها ، هو : « إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ » . . هذه هي القيمة الوحيدة التي يرجح بها وزن الناس أو يشيل ! وهي قيمة سماوية بحتة ، لا علاقة لها بمواضعات الأرض وملابساتها إطلاقا . . ولكن الناس يعيشون في الأرض ، ويرتبطون فيما بينهم بارتباطات شتى ؛ كلها ذات وزن وذات ثقل وذات جاذبية في حياتهم . وهم يتعاملون بقيم أخرى . . فيها النسب ، وفيها القوة ، وفيها المال . وفيها ما ينشأ عن توزيع هذه القيم من ارتباطات عملية . . اقتصادية وغير اقتصادية . . تتفاوت فيها أوضاع الناس بعضهم بالنسبة لبعض . فيصبح بعضهم أرجح من بعض في موازين الأرض . . ثم يجيء الإسلام ليقول : « إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ » . . فيضرب صفحا عن كل تلك القيم الثقيلة الوزن في حياة الناس ، العنيفة الضغط على مشاعرهم ، الشديدة الجاذبية إلى الأرض . ويبدل من هذا كله